وهبة الزحيلي

115

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

جعلوا كل واحدة بنتا . كما جاء في آية أخرى : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً ، أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ ، سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ ، وَيُسْئَلُونَ [ الزخرف 43 / 19 ] . وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ أي وليس لهم بذلك علم صحيح بصدق ما قالوه ، ولا معرفة ولا برهان ، فإنهم لم يعرفوهم ولا شاهدوهم ، ولا أخبرهم به مخبر مقبول الخبر ، بل قالوا ذلك جهلا وضلالة وجرأة ، وكذبا وزورا وافتراء وكفرا شنيعا . إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً أي ما يتبعون في زعمهم إلا التوهم أو الظن الذي لا أساس له من الصحة ، وإن مثل هذا الظن لا يجدي شيئا ، ولا يقوم أبدا مقام الحق . جاء في الحديث الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إياكم والظن ، فإن الظن أكذب الحديث » . فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا أي فأعرض أيها الرسول عمن أعرض عن القرآن أو تذكير اللّه ، ولم يكن همّه إلا الدنيا ، وترك النظر إلى الآخرة ، أي فاترك مجادلتهم والاهتمام بشأنهم ، فقد بلّغت ما أمرت به ، وليس عليك إلا البلاغ . وقوله تعالى : وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا يشير إلى إنكارهم الحشر ، كما قالوا : إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا [ الأنعام 6 / 29 ] وقال تعالى : أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا [ التوبة 9 / 38 ] . ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ أي إن أمر الدنيا وطلبها هو منتهى ما وصلوا إليه من العلم ، فلا يلتفتون إلى ما سواه من أمر الدين . روى الإمام أحمد عن أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها قالت : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له » و في الدعاء المأثور : « اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا » .